محمد سعيد رمضان البوطي
334
فقه السيرة ( البوطي )
المختلقة على مشروعية الرقص والدوران في حلق الذكر على نحو ما يفعل « المولوية » وطوائف أخرى من المتصوفة . فأما الدليل الذي يستندون إليه ، فهو دليل مختلق كما ذكرت ، ولم يثبت في حديث صحيح ولا ضعيف أن أبا بكر قام بفعل ذلك بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كل ما ورد في الأمر هو ما ذكرته من نص حديث الترمذي والحاكم وأبي داود ، على ما فيه من احتمالات الضعف التي بينتها في تخريج الحديث . وأما المدلول ، فلا نقول : إنه لم يثبت دليل عليه ، بل الحق الذي ينبغي أن يقال : إن الدليل قد ثبت على حرمته ، وإليك بيان ذلك . ذهب الجمهور إلى أن الرقص محرم ، إن كان مع التثني ، واتفقوا على أنه مكروه إن كان بدون ذلك ، فإدخال الرقص - مهما كانت كيفيته - في ذكر اللّه تعالى ، إقحام لما هو مكروه أو محرم في عبادة مشروعية ، وتحويل له بذلك إلى عبادة يتقرب بها إلى اللّه دون دليل عليها ، أو على أنها قدر قد خرجت عن الكراهة أو التحريم . أضف إلى ذلك : ما يتلبس به حال هؤلاء « الذاكرين » من التفوه بأصوات ليست من ألفاظ الذكر في شيء ، وإنما هي حمحمات وهمهمات تصّاعد من حلوقهم ، ليتكون منها دويّ متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين والمطربين ، فتحدث بذلك مزيدا من النشوة والطرب في النفوس . فكيف يكون هذا ذكرا للّه تعالى كالذي أمر اللّه به والذي كان يفعله الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ؟ ! . . وكيف يكون هذا العمل عبادة ، والعبادة - كما تعلم - هي ما شرعه اللّه تعالى في كتابه أو سنة رسوله لا يزاد عليها ولا ينقص منها ؟ ! . . واعلم أن هذا الذي نقوله ، هو ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية في مختلف العصور ، لم يشذّ عنه إلا قلة مبتدعة شرعوا من الدين ما لم يأذن به اللّه فكم من محرمات استحلوها ومن موبقات ارتكبوها ، باسم الوجد أو التواجد آنا ، وباسم الانعتاق من ربقة التكاليف آنا آخر . وإليك ما يقوله في هذا إمام من أجل أئمة المسلمين دينا وعلما وورعا وتصوفا وهو العز بن عبد السلام : ( وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث ، لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب ، كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبّه وذهب قلبه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين